أيّ موقف مسيحي اليوم؟

في وسط الهجمة الاستعماريّة الحاليّة، وسياسات الظلمة والتدمير والقتل والإفقار التي ترسيها في منطقتنا، أيّ موقف مسيحيّ اليوم؟
من وجهة نظر مسيحيّة، مادّة هذا العالم وأجسادنا وحياتنا، هنا والآن، لها أهمّية مطلقة. إنّ إيمان المسيحيّين بعجائب يصنعها الله من خلال رفات قدّيسين تعبّر عن إيمانهم بأنّ مادة هذا العالم ليست بلا قيمة. حياة الناس على هذه الأرض ليست ظلّاً ومناماً، إنّها مكان نتمرّن فيه على أن نكون مع الله، أي نتمرّن فيه على ما ندعوه بـ«المحبّة». لكنّ المحبّة ليست تلك المشاعر الورديّة التي نتخيّلها أحياناً، وإنّما هي موقفٌ كيانيٌّ يشمل الشعور، موقف يجمع بين الحسّ والفكر والإرادة ويتجلّى في إقامة وزن للحياة بحيث تصبح حياة الإنسان وكرامته ونموّه وانتعاشه هدفاً، وتصبح الطبيعة مجالاً للحياة وليس مجرّد موارد للاستغلال. معيار المحبّة الحقّة هو أن أتخطّى دوراني حول ذاتي وحول جماعتي الصورة الأكبر لذاتي.
ولكنّ موقف إقامة الاعتبار للآخر الإنسان وللآخر الطبيعة لا يمكن أن يُعاش في عالمنا دون صراع. فهذا الموقف لا بدّ أن يصطدم بواقع الظلم وهو لا يقبل الظلم، لا يتصالح معه حتّى ولو لم يستطع أن يردّه، لا يتصالح معه باسم أيّ مبدأ آخر، مهما بدا ذلك المبدأ سامياً، كمبدأ السلام مثلاً. ذلك أنّ موقف التصالح مع الظلم متهاونٌ، مشجِّع للشرّ وحليفٌ له، موقفٌ لا يقيم وزناً لإنسانيّة صاحب الموقف لأنه موقف الهارب من المسؤوليّة التي تفترضها المحبّة، ولا لإنسانيّة الضحيّة لأنّه يتركها لينهشها الظلم (ولا حتّى لإنسانيّة العدوّ لأنّه يتركها للشرّ الذي يتأكّلها). هكذا تجنّب للصراع باسم «المحبّة» أو «السلام» أو ما شابه هو في حقيقته العارية خيانة للمحبّة لأنّه بالضبط لا يقيم وزناً للآخر ولا للذات، فهو موقف الذي رضخ لعنف الظلم وساهم في التدمير بدل أن يكون نقيضه وخصمه، ويواجهه بمشروع بناء عالم إنسانيّ.
لا بدّ من الصراع إذاً عن مَن آمن فعلاً بالمحبّة، وموقف المحبّة لا يعني خلوّ الإنسان من مشاعر سلبيّة كالكراهية والنفور من الظالم، بل يعني موقفاً وعملاً. لا بدّ من تبديد وهم منتشر، ألا وهو أنّ المحبّة تعني نفي الصراع وتجنّب المجابهة والسعي إلى «السلام» مهما كان ثمنه، وإلى الوفاق ولو على حساب العدالة والحقّ. فهكذا موقف معاكس للمحبّة إذ هو يشجّع على الشرّ، وخليطٌ من التخاذل والميوعة واللامبالاة والهروب من صعوبة المواجهة؛ موقفٌ لا يقيم وزناً لأحد.
إنّ العدالة والظلم ليسا أمرين تافهين لا معنى لهما، ولا هما أمران هامشيّان لا يعنيان شيئاً لمن يطلب السماء، بل هما أساسان لمن يطلب السماء لأن لا سماء دون محبّة بحسب الإيمان المسيحيّ. المحبّة بدون الدعوة إلى العدالة ليست سوى نفاق لأنّها تشكّل دعوة للمظلومين إلى الخضوع للشرّ، وتستهتر بالحياة. الاكتفاء بالمساعدة الماليّة، مثلاً، دون الدعوة والسعي للقضاء على مصدر الفقر هو في الواقع تواطؤ مع البُنى الظالمة، وكأنه في موقع مَن يكتفي بتخدير ضميره بالمساعدات متجنّباً التعرّض للبنية الاقتصاديّة الظالمة. وكذلك السعي إلى «سلام» في المنطقة بدون العدالة الكاملة غير المنقوصة للفلسطينيّين، وكذلك اللبنانيّين والسوريّين، لا يمكن أن تستقيم مع وجود نظام استعماري احتلاليّ يعلن، بأفعاله وأقواله، أنّه لا يقيم وزناً للحياة ولا للحقّ. الاكتفاء بالصلاة من أجل السلام بدون السعي من أجل تحقيق الحقّ لا يعدو كونه تخديراً للضمير وتجنّباً للمواجهة. المواجهة ضروريّة مهما كان شكلها عند إنسان أو آخر، أو مجموعة أو أخرى.
هذا المسعى طريق شاقّ، محفوف بالمخاطر، يجتهد فيه الفرد بشكل شخصيّ ضمن جماعة تكون جسد المحبّة في هذا العالم. بالنسبة إلى المؤمن، هذا الاجتهاد المتعب هو مساهمة في صليب المسيح، هو صراع مع قوى الظلمة في حلبات «رومان» كلِّ حضارة وزمن، ومع قوى الظلمة التي فينا. وفي قلب هذا الصراع الذي نحياه خلال عمرنا القصير، نتذكّر أنّنا «عاملون معه»، مساهمون في عمله بتحقيق إرادته بأن يكون العالم معالم محبّة، أي عالم يجسّد الحقّ والعدالة ويحمي الحياة.
وفي خضمّ العمل لا يأس، فإن كان المسيح بقيامته قد حقّق النصر على الموت وبدأ بذلك ورشة الملكوت، فذاك يعني من جملة ما يعنيه أنّنا لسنا الضمانة لانتصار الحقّ والحياة، وأنّ الضمانة هي في المسيح، في انتصار المسيح على الموت، في فِعل الله المُحيي، في الإيمان بأنّ الكلمة الأخيرة في هذا الكون ستكون لله، للحياة. هذا الإيمان هو ما يسمح لنضالنا بأن يكون بلا يأس، هو ما يمنحنا أن نعبر العمر في نضالٍ يحمل رجاءً مضيئاً، إنّها الحياة الإنسانيّة المأسويّة والمضيئة في آن، مأسويّة لمخلوقيّتها وقصورها عن الكمال، ومضيئة بسبب من محبّة الله التي للناقصين تكمّل، وللمخلوقين الـمُحِبّين تقدّس.
كاتب وأستاذ جامعي*
